دون إسهاب في التعريف، "الحداثة" تعني فيما تعني تغير قيم المجتمع وانتصار الإرادة الحرة للفرد، وفتح الطريق لقيم جديدة والقطيعة مع القيم القديمة والمتوارثة، وبالتالي فتح للتقدم والمستقبل. تبادر إلى ذهني هذا البعد من أبعاد مشروع الحداثة، وأنا أشاهد العرض المسرحي الرائع "الأرتيست" الذي يعرض يوميا على مسرح الهناجر والذي يستمر حتى الأحد القادم. الحداثة التي بدأت في أوروبا مع انتقالها من العصور الوسطى المظلمة إلى عصر الأنوار الحديث، فخاصمها البعض منا باعتبارها مشروعًا غربيًا، هي مشروع إنساني بامتياز، بل هي مشروع انتقال البشرية من طورها البدائي إلى أطوارها الأحدث، هي تعبر عن ارتقاء الإنسان اجتماعيًا وثقافيًا، وتعني تحرير العقل والإبداع من موروثات تكبله وتعيق انطلاقه إلى آفاق أرحب وتمنع إبداعه الذي يعبر عن القدرة على التخيل التي يتفرد بها الإنسان في العالم.
الفكرة التي ألحت على ذهني وأنا اتابع العرض الذي كتبه وأخرجه محمد زكي، وهو مبدع مسرحي شاب، والأداء المبهر لفريق العرض الذي تنوعت مواهب بعض أفراده بين التمثيل والإخراج والديكور والإضاءة وفنون أخرى ترتبط بالمسرح، هو لماذا انفردت مصر بهذه المكانة الثقافية الفريدة في محيطها الإقليمي؟ ولماذا لن يستطيع أحد من القوى الطامحة لإزاحة مصر من موقع الريادة الثقافية واحتلال مكانها مهما أنفق من مال ومهما وضع من خطط ومهما نظم من حملات للدعاية وخطف المبدعين المصريين؟ الإجابة ببساطة أن الاستثمار الحقيقي والذي وضع مصر على خريطة الفنون الحديثة والثقافة المعاصرة في العالم، والذي لا يملكه الآخرون ولا يستطيعون شراءه، وهو البشر وما قدموه من تضحيات هائلة ليمهدوا الأرض ويشقوا طريقًا جديدًا للفنون كي تحتل موقعها الفريد والمتميز في نهضة المجتمعات والشعوب.
الفارق بين مصر وبين الآخرين في هذا الصدد، هو أن الآخرين يريدون البدء من نهاية الطريق، في حين أن المصريين بدأوا من أوله، ووضعوا في مسيرتهم نحو الحداثة أيقونات يصعب تكرارها وعلامات يصعب تقليدها أو محوها، والتي يلخصها مؤلف ومخرج مسرحية "الأرتيست" بقصد، أو ربما دون أن يقصد سوى أن يبدع نصا مسرحيا يروي من خلاله سيرة واحدة من أيقونات السينما والتمثيل في مصر والحاضرة دائما في أذهان ملايين المشاهدين في مصر وفي العالم العربي، سيرة الأرتيست "زينات صدقي" (1912- 1978). ولدت زينات صدقي الممثلة الكوميدية الأشهر في تاريخ السينما المصرية، صاحبة الصوت المميز والأداء المميز والتي أبدعت في كثير من الأدوار خلال تاريخها الفني الحافل، في الثالث من مايو 1912، لكن عشاقها قد لا يعرفون كثيرًا عن الكفاح الذي خاضته النجمة التي لا يعرف لها الكثير من أدوار البطولة في تاريخ السينما المصرية، لكنها استطاعت أن تفرض حضورها كواحدة من النجوم اللامعة في سماء الفن. كيف؟ هذا هو السؤال الذي يجيب عليه العرض المسرحي.
إن قصة انتصار الفنانة المصرية زينات صدقي التي هربت من أسرتها، وهي في سن مبكرة، وجاءت إلى القاهرة كي تعمل في المهنة التي عشقتها منذ نعومة أظافرها، على قيم المجتمع ونظرته إلى الفنانين والفنانات، والذين كان المجتمع يسميهم "المشخصاتية"، ولم يكن القضاة في المحاكم المصرية يقبلون شهادتهم، هي قصة لانتصار الحداثة وتغير نظرة المجتمع إلى التمثيل وفن المسرح. العرض يبدأ بفتاة تتطلع لأن تصبح ممثلة وتشق طريقها في عالم الفن لتصبح نجمة والتضحية التي تقدمها في سبيل ذلك الحلم، وحبيبها الشاعر، في حوار كتب بإحكام لكسر توقع المشاهد، في توظيف لواحدة من التقنيات الأساسية في كتابة النصوص الدرامية بشكل عام وفي الكتابة المسرحية تحديدًا. لينتقل بنا المشهد إلى سيدة تجلس في زاوية في المنزل تستمتع إلى إحدى أغنيات أم كلثوم، وجرس الهاتف يدق ولا تقوم للرد عليه ونعرف من الفتاة دخلت لترد على الهاتف أن التليفون كان معطلا ليومين، وترد على المكالمة لتظن أنه أحد المازحين من المعجبين بالفنانة، لتنهي المكالمة بلطف، لكن الشخص يعاود الاتصال ليتبين أن الرئيس يتصل بالفنانة شخصيًا لدعوتها لتكريمها في "عيد الفن" ويدعوها لتكون ضيفته في زفاف ابنته.

هنا ننتقل إلى جانب آخر من جوانب المعاناة الإنسانية للفنان والمبدع حين يتقدم في العمر وتنحسر عنه الأضواء وما يعانيه من ضيق في العيش، والذي عبرت عنه محنة البحث عن فستان مناسب لحضور حفل التكريم لينزوي لاجترار ذكرياته، والتي قدمتها المسرحية في مشاهد متتابعة من خلال تقسيم المسرح لمربعات هي أشبه ببلاتوه التصوير في السينما، وتم الاعتماد في ذلك على إبداع مهندسي الديكور والإضاءة لإبهار جمهور المشاهدين، والاعتماد على أسلوب الفلاش باك المستعار أيضًا من السينما، وبلغ الإبداع ذروته في وضع مشهد تكرر في فترتين زمنيتين مختلفتين في تجاور حي على خشبة المسرح. تنوعت ذكريات البطلة زينات صدقي، التي أتقنت الممثلة الموهوبة هايدي أداء دورها وطريقة حديثها، التي لا تختلف كثيرا عن طريقتها أمام الكاميرا، ما بين بدايات مشوارها الفني مع صديقتها الفنانة خيرية، ومع أسرتها التي كانت تسعى إلى أن تتزوج ابنتهم بعد أن اتمت دراستها للمرحلة الابتدائية وحين بلغ عمرها 15 عامًا، ونعرف من والدتها أنها تزوجت حين بلوغها 11 عامًا، وبالطبع دون أن تتعلم، وحوارها مع شقيقها الذي كان أصغر منها في العمر عن طموحها لأن تصبح نجمة وعرضها عليه أن يهرب معها إلى القاهرة، وصدام الابن مع الأب دفاعًا عن شقيقته وطموحها.
وفي سياق البحث عن فستان يليق لحضور الحفل، تعرض المسرحية لجانب من ذكريات الفنانة مع الخياط فاسيلي وهو من الجاليات الأوروبية التي كانت تعيش في أحياء مصر الشعبية والذي صمم ملابس ممثلات شهيرات في ذلك العصر، ترفعن لاحقًا عن الذهاب إليه في الحارة حيث كان يعمل ويعيش، وهو حوار يعكس حالة التفاعل الثقافي التي كان يعيشها المجتمع المصري في ذلك الوقت مع الأوروبيين الذين كانوا يعيشون وسط المصريين وتحدثوا اللهجة المصرية بلكنة أوروبية الشهيرة التي كان يتحدث بها الخواجات المتمصرون، عبر مشهدين مؤثرين جرى الحديث فيها عن نظرة كل منهما لمهنته ولماذا يتعلق بها، وإحساسهما المشترك بلحظة الإنجاز التي يرونها من خلال فرحة الآخرين بما يقدمونه لهم، بما يعكس أن تطور المجتمع إنما يكون من خلال تطور العلاقات بين أفراده وما يقدمونه من قيم رمزية من خلال التفاعل وتبادل الأدوار مع الآخرين.
المسرحية التي تختتم بمشهد يعلن فيه انتصار الفن وانتصار إرادة الفنان ونجاحه في تغيير نظرة المجتمع له وللفن ودوره ورسالته في المجتمع بلغة بسيطة ويختتم بمقطع صوتي للقاء مذاع للفنانة الكبيرة والحاضرة في دوما في ذكرانا حول مسيرتها، هي رسالة واضحة بأن مصر كانت وستظل غنية بمبدعيها وبما يقدمونه من تراث فتي عبر العصور، وبأن أحدا لن يستطيع أن يلسب مصر قوتها الناعمة المتجددة دوما. هذه الرسالة لا يقدمها فقط أبطال العرض وإنما قدمها أيضا الجمهور الذي حرص على حضور العرض رغم الطقس وبرودته، والمتعطش لمشاهدة الأعمال المسرحية التي تحمل من الأفكار والقيم ما يثري قيمته الإبداعية وما تقدمه من متعة لجمهور المشاهدين.
إن هذا العرض وغيره من عروض مسرحية وفنية يجعلنا أكثر إيمانًا بأن النهوض بقوي مصر الناعمة مشروع يستحق منا الكثير من الجهد والتركيز، ويجعلنا أكثر ثقة بأن تراث المصري الإبداعي المتجدد والمتدفق ثري وأكبر من أي محاولة لتبديده ونهبه والاستيلاء عليه، وأن هذا التراث لا يباع ولا يشترى وإنما يبنى بمجهود هائل من الإبداع البشري الذي يعتمد على مواهب فطرية تعكس عمق التاريخ والثقافة وتأثيرها في صياغة الشخصية المصرية وبنائها.
ما كتبته هو قليل بالنسبة للعرض وما يعكسه من إبداع المؤلف والمخرج والتكامل والتناغم فيما بين أفراد طاقمه، فكل منهم تبارى في أن يقدم للجمهور أفضل ما لديه وكل منهم تبارى من أجل التفوق على نفسه بإخراج أفضل ما لديهم، ليس في التمثيل فقط، والذي كان محور العرض المسرحي، وإنما في الديكور والإضاءة والإخراج والأداء الحركي غير المفتعل وغير المبتذل، ولهم جميعا تحية التقدير والإعجاب من جمهور المشاهدين.
-----------------------------
بقلم: أشرف راضي








